الرياضة
May 13, 2026

كيف تتحكم المستديرة بعقلك؟

رحلة في سيكولوجية كرة القدم تكشف كيف تحولت اللعبة من مجرد رياضة إلى ظاهرة اجتماعية عالمية، ترتبط بالمشاعر والانتماء والهوية، وتؤثر في سلوك الجماهير نفسيًا وثقافيًا عبر التاريخ والعولمة.

كيف تتحكم المستديرة بعقلك؟

كل أربع سنوات كان الأديب الشهير "إدواردو غاليانو" يعلق لافتة على باب منزله كتب فوقها مغلق لكرة القدم، ولا يظهر أبدًا إلا بعد انقضاء شهر يشاهد في أثنائه مباريات كأس العالم ويكتب عنها..

 تُروى مئات الحكايات على لسان المشجعين لدى سؤالهم عن سبب انتمائهم لفريق كرة قدم بعينه. 

منهم من ذاب في عشق فريقٍ لكونه الفريق المفضل لدى عائلته أو أحد أصدقائه، ومنهم من أحب فريقًا لانتصاراته المتكررة وسُمعته..

سيكولوجية تشجيع المستديرة

في بداية تسعينيات القرن الماضي، بحث بول برنهارد، عالم السلوك بجامعة ولاية جورجيا، عن أسرار التشجيع كونه سمة سلوكية بشرية مميزة، وحاول برنهارد التوصُّل إلى فهم علمي أوضح للتفاعلات البيولوجية لدى المشجعين، فبدأ بفحص اللعاب الخاص بهم، ووجد أن مستويات هرمون التستوستيرون انعكست بالفعل في نتائج اختبارات مشجعي الفريق الفائز بوضوح، فكانت أعلى بنسبة 20% من المستويات التي حصل عليها مشجعو الفريق الخاسر. في عام 1994، واصل برنهارد طريقه البحثي، فتتبَّع ما حدث مع مشجعي مباراة نهائي كأس العالم بين البرازيل وإيطاليا، ليُسجِّل مرة أخرى زيادة بالنسبة نفسها بين مشجعي الفريق الفائز مقارنة بالجماهير الحزينة.

كما وقام عالم النفس روبرت سيالديني في السبعينيات من القرن الفائت، بسلسلة من التجارب على طلاب سبع مدارس كبرى لكرة القدم، كانوا يجتمعون في قاعات المحاضرات بعد كل مباراة كبيرة، في المدارس التي فازت فِرَقها كانت نسبة الطلاب الذين يرتدون ملابس بألوان ملابس الفريق أكبر من النسبة في المدارس التي خسرت فِرَقها، كان سيالديني يهدف إلى تقديم دليل على ما يُعرف بـ "انعكاس المجد" وهو إعلان المرء الظاهر للعيان عن ارتباطه بالناجحين، وكأنه منهم، على الرغم من أنه لم يقم بدور فعلي في هذا النجاح.

في كرة القدم، يطارد اللاعبون فريسة رمزية؛ الكرة، ويتعاونون مع بعضهم بعضا مثل مجموعة من الصيادين لتحقيق هدف مشترك، وهو في هذه الحالة ليس الاستيلاء على الفريسة، بل تسجيل هدف في المرمى المقابل، والمتعة تحدث حتى لو لم يُسجِّل الفريق هدفا، تماما مثلما كان الإنسان يستمتع بالصيد حتى لو لم يتمكَّن من اصطياد الفريسة، وذلك وفقًا لديزموند موريس، العالم المتخصص في دراسة سلوك الحيوان وعلاقته بالإنسان، الذي يرى أن العديد من الرياضات تُعتبر بدائل رمزية للصيد -النظام الذي عاش عليه الإنسان عبر عشرات الآلاف من السنين- وهي لذلك قادرة على إنتاج التغيرات الهرمونية العصبية نفسها التي أنتجتها عمليات الصيد.

عولمة كرة القدم

تعد كرة القدم أكثر الرياضات شعبية في العالم، إذ تحولت على إثرها الأندية الكبرى إلى شركات متعددة الجنسيات تسوِّق منتجاتها على مستوى عالميّ.

لهذا تُعد وسائل الإعلام أداة محورية لديها، ليس فقط لجذب الناس إلى مشاهدة المباريات وتشجيعها، بل أيضًا لجذب المشجعين إلى استهلاك المنتجات المعروضة في الإعلانات التجارية للشركات الراعية.

أصبح مفهوم التسويق مهمًّا في إطار عولمة استهلاك كرة القدم، فاليوم تمتلك معظم فرق كرة القدم الكبرى قناة تلفزيونية أو محطة إذاعية أو مجلة او حسابات شبكية تسوِّق فيها أنشطتها ومنظماتها ومنتجاتها المرخصة، وبالضرورة كنتيجة، تزيد من قيمة علامتها التجارية.

نحن أمام ظاهرة جديدة في كرة القدم تأثرت فيها قاعدة مشجعي الأندية بالعولمة، متخطية كل حدود التاريخ والجغرافيا التي يعرفها. فاليوم صنعت الأندية الأوربية مشجعًا لها في كل بقعة من بقاع الكرة الأرضية.

بل أصبحت أيضًا تكوِّن روابط رسمية لهؤلاء المشجعين في دول العالم مقابل مبلغ رمزي يحدده النادي ويدفعه العضو الراغب في الانضمام.

لُعبة أم ظاهرة اجتماعية؟

من جهة، أصبحت التكنولوجيا الحديثة جزءًا لا يتجزأ من لعبة كرة القدم، من تقنية حكم الفيديو المساعد (VAR) إلى التحليل الرقمي للأداء. هذه التطورات ساهمت في تحسين اللعبة، لكنها في الوقت نفسه أثارت جدلًا حول فقدان الروح التقليدية التي اعتاد عليها المشجعون.

من جهة أخرى، تواجه كرة القدم تحديات جديدة، مثل تزايد النزعة التجارية وعولمة النوادي، ما قد يؤدي إلى تآكل الروابط العاطفية التي يشعر بها المشجعون تجاه فرقهم المحلية والدولية. ومع ذلك، تبقى كرة القدم قادرة على توحيد الناس، بغض النظر عن أعمارهم أو جنسياتهم أو خلفياتهم، وهو ما يجعلها ظاهرة اجتماعية فريدة ومتجددة.

ربما يبدو الأمر واضحًا الآن لماذا يقفز أحدهم فرحًا من أجل هدف مسجل، بينما يصرخ الآخر حتى يكاد يمزق حنجرته من الغضب. قد تكون كرة القدم مجرد لعبة لكنها لعشاقها، حياة بأكملها.

في النهاية، كرة القدم ليست مجرد لعبة تُلعب على المستطيل الأخضر، بل هي حالة إنسانية مُعقدة تُعبِّر عن الفرح والحزن، الانتصار والهزيمة، الوحدة والانتماء. هي مرآة تعكس طبيعة البشر في سعيهم لتحقيق الأهداف وارتباطهم بالفطرة البشرية، سواء كانت أهدافًا حقيقية في شباك الخصم، أو أهدافًا رمزية تعكس رغبتهم في الانتماء والتفوق.

كتبه

ملاك الغافري