الثقافة
May 13, 2026

كيف يبدو العالم بدون نفط؟

يتناول النص الدور المحوري الذي لعبه النفط في بناء الحضارة الحديثة والاقتصاد العالمي منذ اكتشافه في القرن التاسع عشر، وكيف أصبح أساساً للصناعة والزراعة والتكنولوجيا. كما يناقش سيناريو نفاد النفط وتأثيره الكبير على الحياة اليومية والعلاقات الدولية، مع التركيز على التحول نحو الطاقة النظيفة ووسائل النقل المستدامة، وظهور لوبيات تدعم الطاقة المتجددة كبديل لمستقبل ما بعد النفط.

كيف يبدو العالم بدون نفط؟

على مدار القرن الماضي، شيدت البشرية حضارة متكاملة تعتمد بشكل جذري على النفط، الذي أصبح العمود الفقري لعالمنا الحديث ومصدر الطاقة الأساسي الذي يدير عجلة الاقتصاد والصناعة. ومع ذلك، فإن حقيقة نضوب النفط وزواله تلوح في الأفق، فماذا لو استيقظ العالم على خبر استخراج آخر برميل نفط على وجه الأرض؟ كيف ستتغير ملامح حياتنا اليومية؟ وكيف ستواجه البشرية هذا التحدي الوجودي؟ والأهم من ذلك، ما البديل الذي سيحمل الشعلة بعد النفط؟

النفط ركيزة الاقتصاد

عندما حفر إدوين دريك إحدى آبار النفط التجارية الأولى في العالم في مدينة تيتوسفيل، في ولاية بنسلفانيا الأمريكية عام 1859، لم يتوقع، بالتأكيد، الأثر الهائل لهذا الاكتشاف في الاقتصاد العالمي والحضارة والحروب في السنوات اللاحقة. ومنذ ذلك الحين، أصبح النفط عصب التقدم وشريان الحياة في العالم الصناعي، إذ تعتمد منتجات الاستخدام اليومي التي لا تعد ولا تحصى – وتتفاوت من المواد الصيدلانية إلى الحواسيب – على النفط، وعلى تكريره إلى مواد كيميائية وبلاستيكية معقدة. وستتوقف الزراعة الحديثة التي تُغذي أغلبية العالم إذا حُرمت من الجرارات التي تعمل بالديزل والأسمدة المستخلصة من النفط والغاز بغية زراعة المحاصيل ومضاعفتها وجنيها.

آخر برميل..

تخيل عالماً بلا نفط، عالماً نستغني فيه عن هذا المورد الذي سيطر على حياتنا لعقود طويلة. قد يبدو هذا السيناريو مستقبلياً، ولكن مع مخاطر التغيرات المناخية والجهود المتزايدة للانتقال إلى مصادر طاقة نظيفة، يصبح لهذا السيناريو بعض الحظوظ.  لطالما كان النفط محركاً رئيسياً للاقتصاد العالمي والديناميات السياسية الدولية، كما تعتبر مسألة نفاد النفط من القضايا الجيوسياسية الأكثر أهمية في عصرنا الحالي. لكنْ كيف سيكون شكل هذه العلاقات الدولية في ظل غياب هذه المادة الأساسية؟  – سيؤدي غياب النفط -بافتراض غيابه-، إلى تغيير في توازن القوى بين الدول، حيث ستكتسب الدول التي تمتلك تكنولوجيا الطاقة المتجددة نفوذاً أكبر، إذ سيرافقُ غيابَ النفط تحولٌ لوسائل نقل أخرى، لتنتعش حينها السيارات الكهربائية، وتصبح الخيار الأول للعديد من الناس، كما سيتم تطوير وتوسيع شبكات النقل العام، مثل الحافلات والقطارات، لتلبية احتياجات التنقل الجديدة، وقد تشهد الدراجات الهوائية عودة قوية كوسيلة للتنقلات القصيرة. كما أن نمط الحياة سيختلف، إذ قد يضطر الناس إلى تقليل تنقلاتهم، والاعتماد أكثر على العمل وإنجاز المهام عن بعد، وسيتغير تصميم المدن لتكون ملاءمة للمشي وركوب الدراجات، مع تقليل الاعتماد على السيارات.  ولو كان النفط غائباً لما كانت التجارة الدولية بهذا الرواج الكبير، وإنما يتم الاعتماد على التصنيع المحلي لتقليل تكاليف النقل. ولبقيت الزراعة، في ظل عدم وجود النفط، على شكلها البدائي، إذ تظهر الزراعة المستدامة التي تعتمد على الموارد الطبيعية في ظل غياب الآلات التي تعمل بالنفط، وستزداد شعبية الزراعة العضوية، حيث ستوفر منتجات غذائية أكثر صحة وأكثر استدامة.  ولو لم يكن النفط موجوداً في عالم اليوم، لكان نمط حياة الإنسان مختلفاً بشكل تام، على الرغم من التحديات التي ستواجهه، إلا أن هذا التحول سيفتح الباب أمام فرص جديدة وابتكارات تقنية.

لوبيات الطاقة النظيفة .. ضغطٌ جديد

يقول أستاذ التاريخ الاقتصادي النرويجي هيلج ريجفيك، “من المستحيل تقريباً معرفة كيف كان سيبدو شكل النرويج من دون أموال النفط، ولكنه في الوقت نفسه أكد أن ثروة البلاد البشرية، المتعلمة تعليماً عالي الجودة، كفيلة بوضع النرويج في مكانة متقدمة حتى بدون النفط”.ظهر ما يعرف بـ “لوبيات الطاقة النظيفة” وهي مجموعات مؤثرة تعمل على دفع عجلة التحول إلى مصادر الطاقة المتجددة والنظيفة، مثل الطاقة الشمسية والرياح والطاقة الكهرومائية وتتكون هذه اللوبيات من مجموعة متنوعة من الأطراف مثل الشركات، والمنظمات غير الحكومية، والمستثمرين الذين يرون في الطاقة النظيفة فرصةً استثمارية واعدة.  وتهدف هذه اللوبيات إلى التسريع بالانتقال إلى الطاقة النظيفة من خلال تقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري، وتشجيع استخدام مصادر الطاقة المتجددة، ووضع سياسات داعمة للطاقة النظيفة تعمل على الضغط على الحكومات لوضع قوانين وحوافز تشجع الاستثمار في الطاقة النظيفة، ومواجهة لوبيات الوقود الأحفوري.

كتبه

ملاك الغافري