الثقافة
May 13, 2026

من يُحكِّم قراراتك؟ عاطفتك أم المنطق

مقال يشرح مغالطة الاحتكام إلى النتائج، وكيف قد تقود العواطف والنتائج الظاهرة الناس إلى تصديق أفكار غير منطقية أو مضللة بدلًا من الاعتماد على الأدلة والعقل.

من يُحكِّم قراراتك؟ عاطفتك أم المنطق
يُعلِّمنا التاريخ أن أفكار الكثرة واعتقاداتهم كثيرًا ما تَبَيَّن خطؤها الذريع وبطلانها التام، وقد تكرر ذلك وتواتر بما يكفي لدعم قاعدةٍ تفيد أن قبول الحشود من البشر لقضيةٍ معينة على أنها حق لا يقدم ضمانًا عقليًّا بأنها كذلك، فقد يعتقد زميلٌ لك أن حميته الغذائية مُجدية لمجرد أنه التمس نقصانًا في الوزن، وهنا يكمن لُبُّ الاحتكامِ إلى النتيجة لا التعقّل فيها.

ماهيّة المغالطة

يقول المتحدث السابق باسم "الجيش الإسرائيلي" جوناثان كونريكوس في مناظرة متلفزة بينه وبين باسم يوسف مع بيرس مورغان مجيبًا على تساؤل سبب المجاعة في مناطق الحصار: "أتعلم كم من طفل سمين في غزة؟" مبطلًا بهذه النتيجة تهمة التجويع المتعمد.
تتضمن هذه المغالطة الاحتكامَ إلى النتيجة الظاهرة بدلًا من الاحتكام إلى العقل، ومحاولة انتزاع التصديق على فكرة معينة بإثارة مشاعر الحشود وعواطفهم بدلًا من تقديم حجة منطقية صائبة، تكاد هذه الطريقة أن تكون أداةً من أدوات عمل رجال الدعاية والإعلان، والديماغوغيين من الساسة ورجال الأحزاب والدعاية الانتخابية. فإذا كان "الجميع يعتقد ذلك" أو "الكل يفعل ذلك" أو "استطلاعات الرأي تُشير إلى ذلك" فلا بُدَّ من أن يكون "ذلك" صحيحًا!
إن القضية الصادقة هي قضيةٌ صادقة، بغضِّ النظر عن شعورنا تجاه نتائجها، يستدعي ذلك في الذهن قول فرويد: "أُوذِيَ الإنسان ثلاث مراتٍ في غروره واعتزازه بنفسه وبمكانته في العالم: كانت المرة الأولى عندما تم التحول الأكبر في عصر النهضة من مركزية الأرض إلى مركزية الشمس على يد كوبرنيكوس، وكانت المرة الثانية عندما قدَّم تشارلس دارون كتابه عن أصل الأنواع عن طريق الانتخاب الطبيعي، فأثَّرت نظريته في التصور الديني بوجهٍ خاصٍّ عن كون الإنسان صورةَ الله وخليفته، أما المرة لثالثة فكان الأذى أشد قسوةً وأعمق جرحًا، إذ جاء من جانب البحث السيكولوجي الراهن الذي يريد أن يُثبت للأنا أنها لا تملك حتى أن تكون سيدةً في بيتها الخاص، وإنما تظل معتمدةً على أنباءٍ شحيحةٍ عما يجري بصورةٍ غير واعية في حياتها النفسية".

متى يكون الاحتكام إلى النتائج صائبًا منطقيًّا؟

يقول أرسطو: (حين يكون شيئان من التماثل بحيث يصعب تفضيل أحدهما على الآخر فإن علينا أن نحتكم إلى نتائجهما، وذلك الشيء الذي يُفضِي إلى نتائج أفضل هو الجدير بالاختيار، أما إذا كانت نتائج كليهما شرًّا فإن علينا أن نختار أقلَّهما شرًّا)
غير أن أرسطو، وغيره من الفلاسفة، إنما يحتكمون إلى النتائج في مجال «العقل العملي» لا النظري؛ أي حين يكون الاختيار هو بين مسارين من الفعل، أو بين نهجين من السلوك، والحق أنه من الوضوح الذي يجري مجرى البدائه ونوافل القول إن الموازنة بين الأفعال إنما يتم بالموازنة بين تَبِعاتها ونتائجها المتوقَّعة
في الختام، يمكن القول أن الاحتكام إلى النتائج هو مغالطة منطقية تعتمد على توجيه النقاش من الأدلة المنطقية إلى النتائج المحتملة. وعلى الرغم من أن النتائج قد تكون جزءًا من عملية التقييم الكلية، إلا أنها لا يمكن أن تكون الأساس الوحيد للحكم على صحة فكرة أو حجة معينة. الوعي بهذه المغالطة يمكن أن يساعد الأفراد على التفكير بشكل أكثر نقدية ومنطقية، والتفريق بين الحجج المبنية على الأدلة وتلك المبنية على النتائج المتوقعة.

كتبه

ملاك الغافري